الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
238
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
فينتهون ، فقد سخر اللّه له الرعية كلها . والفاء للتفريع على معنى حشر لأن الحشر إنما يراد لذلك . وفي الآية إشارة إلى أن جمع الجنود وتدريبها من واجبات الملوك ليكون الجنود متعهدين لأحوالهم وحاجاتهم ليشعروا بما ينقصهم ويتذكروا ما قد ينسونه عند تشوش الأذهان عند القتال وعند النفير . [ 18 ، 19 ] [ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 18 إلى 19 ] حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 18 ) فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ ( 19 ) حَتَّى ابتدائية ، ومعنى الغاية لا يفارقها ، ولكنها مع الابتدائية غاية غير نهاية . و إِذا ظرف زمان بمعنى حين ، وهو يقتضي فعلين بعده يشبهان فعلي الشرط وجوابه لأن إِذا مضمّنة معنى الشرط ، و إِذا معمول لفعل جوابه ، وأما فعل شرطه فهو جملة مضاف إليها إِذا . والتقدير : حتى قالت نملة حين أتوا على واد النمل . وواد النمل يجوز أن يكون مرادا به الجنس لأن للنمل شقوقا ومسالك هي بالنسبة إليها كالأودية للساكنين من الناس ، ويجوز أن يراد به مكان مشتهر بالنمل غلب عليه هذا المضاف كما سمي وادي السباع موضع معلوم بين البصرة ومكة . قيل : واد النمل في جهة الطائف ، وقيل غير ذلك ، وكله غير ظاهر من سياق الآية . و النَّمْلِ : اسم جنس لحشرات صغيرة ذات ست أرجل تسكن في شقوق من الأرض . وهي أصناف متفاوتة في الحجم ، والواحد منه نملة بتاء الوحدة ، فكلمة نملة لا تدل إلا على فرد واحد من هذا النوع دون دلالة على تذكير ولا تأنيث فقوله : نَمْلَةٌ مفاده : قال واحد من هذا النوع . واقتران فعله بتاء التأنيث جرى على مراعاة صورة لفظه لشبه هائه بهاء التأنيث وإنما هي علامة الوحدة ، والعرب لا يقولون : مشى شاة ، إذا كان الماشي فحلا من الغنم ، وإنما يقولون : مشت شاة ، وطارت حمامة ، فلو كان ذلك الفرد ذكرا وكان مما يفرق بين ذكره وأنثاه في أغراض الناس وأرادوا بيان كونه ذكرا قالوا : طارت حمامة ذكر ، ولا